نهج البلاغة

وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام

الأربعاء، 14 مارس 2012

[ 38 ] ومن خطبة له عليه السلام وفيها علة تسمية الشبهة شبهة، ثم بيان حال الناس فيها


وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لاَِنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى (1) ، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى، فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ.

1. سَمْتُ الهُدَى: طريقته.

[ 37 ] ومن كلام له عليه السلام يجري مجرى الخطبة وفيه يذكر فضائله - عليه السلام - قاله بعد وقعة النهروان


فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا (1) ، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا (2) ، وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا (3) وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا، وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً (4) ، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا (5) ، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا (6) ، كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلاَ تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ. لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فيَّ مَهْمَزٌ، وَلاَ لِقَائِلٍ فيَّ مَغْمَزٌ (7) ، الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مَنْهُ، رَضِينَا عَنِ اللهِ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا لِلّهِ أَمْرَهُ. أَتَرَاني أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَاللهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ. فَنَظَرْتُ في أَمْرِي، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا الميِثَاقُ في عُنُقِي لِغَيْرِي.

1. فَشِلُوا: خاروا وجَبُنوا، وليس معناها أخفقوا كما نستعملها الان.
2.تَقْبَّعُوا: اختبأوا, وأصله تَقَبَّع القنفذ إذا أدخل رأسه في جلده.
3. تَعْتَعُوا: ترددوا في كلامهم من عِيّ أوحَصَر.
4. الفوْت: السبق.
5. طِرْتُ بعِنَانِها: العنان للفرس معروف، وطاربه: سبق به.
6. اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِها; الرهان: الجعل الذي وقع التراهن عليه، واستبددت به: انفردت به.
7. لم يكن فِيّ مَهْمَزٌ ولا مَغْمَزٌ: لم يكن فِيّ عيبٌ أُعاب به، وهو من الهمز: الوقيعة، والغمز: الطعن.

[ 36 ] ومن ومن خطبة له عليه السلام في تخويف أَهل النهروان (1)


فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى (2) بِأَثْنَاءِ هذَا النَّهَرِ، وَبِأَهْضَامِ (3) هذَا الْغَائِطِ (4) ، عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلاَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ، قَدْ طَوَّحَتْ (5) بِكُمُ الدَّارُ، وَاحْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ (6) ، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ المُنَابِذِينَ، حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَىْ هَوَاكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ ، سُفَهَاءُ الْأََحْلاَمِ (7) ، وَلَمْ آتِ ـ لاَ أَبَا لَكُمْ ـ بُجْراً (8) ، وَلاَ أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً. (9)

1. النّهْرَوان: السم لاسفل نهربين لَخَافيقَ، وطرفاه على مقربة من الكوفة في طرف صحراء حَرُوراء. وكان الذين خطّأوه في التحكيم قد نقضوا بيعته، وجهروا بعداوته، وصاروا له حرباً، واجتمع معظمهم عند ذلك الموضع، وهؤلاء يلقبون بالحَرُورِيّة، لما تقدم أن الارض التي اجتمعوا عليها كانت تسمى حَرُوراء، وكان رئيس هذه الفئة الضالة: حُرْقُوص بن زهير السعدي، ويُلقب بذي الثُّدَيّة (تصغير ثدية)، خرج إليهم أميرالمؤمنين يعظهم في الرجوع عن مقالتهم والعودة إلى بيعتهم، فأجابوا النصيحة برمي السهام وقتال أصحابه(عليه السلام)فأمر بقتالهم، وتقدم القتال بهذا الانذار الذي تراه، وقيل: إنه -عليه السلام- خاطب بها الخوارج الذين قتلهم بالنهروان.
2. صَرْعَى: جمع صرِيع، أي طريح.
3. الاهْضام: جمع هَضْم، وهو المطمئن من الوادي.
4. الغائط: ما سفل من الارض، والمراد هنا المنخفضات.
5. طَوّحَتْ بكم الدار: قَذَفَتْكم في مَتَاهَة وَمَضَلّة.
6. احْتَبَلَكُمُ المِقْدَارُ; احتبلكم: أوقعكم في حِبالته، والمقدار: القدر الالهي.
7. أخِفّاءُ الهامِ: ضعاف العقل; الهام: الرأس، وخفتها كناية عن الطيش وقلة العقل.
8. سُفَهَاء الاحلامِ; السفهاء: الحمقى، والاحلام: العقول.
9. البُجرْ ـ بالضم ـ : الشر والامر العظيم والداهية.

[ 35 ] ومن خطبة له عليه السلام بعد التحكيم وما بلغه من أمر الحكمين وفيها حمد الله على بلائه، ثمّ بيان سبب البلوى

الحمد على البلاء

الْحَمْدُ للهِ وَإنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ (1) ، وَالْحَدَثِ (2) الْجَلِيلِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ، لَاشَرِيكَ لَهُ, لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. سبب البلوى أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الُْمجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ. وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخزُونَ رَأْيِي (3) ، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ (4) أَمْرٌ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ (5) ، فَكُنْتُ وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ (6) :
أَمَرْتُكُمُ أَمْري بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى (7) فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى الْغَدِ

1. الخَطْبُ الفادح: الثقيل، من فدحه الدَّيْن ـ كقطع ـ إذا أثقله وعاله وبَهَظَهُ.
2. الحَدَث ـ بالتحريك ـ : الحادث، والمراد هنا ما وقع من أمر الحكمين كما هو مشهور في التاريخ.
3. نَخَلْتُ لكم مخزونَ رأيي: أخلصته، من نخلت الدقيق بالمُنْخل.
4. قصير: هو مولى جذيمة المعروف بالابرش، والمثل مشهور في كتب الامثال.
5. (ضَنّ الزّنْدُ بقَدْحِهِ): هذه كناية أنه لم يَعُدْ لَهُ رأي صالح لشدة ما لقي من خلافهم.
6. (أخو هوازن): هو دُرَيْدبن الصِّمّة.
7. مُنْعَرَج اللّوى: اسم مكان، وأصل اللّوى من الرمل: الجدَدُ بعد الرّملة، وَمُنْعَرَجُهُ: منعطفهُ يمنةً ويسرة.