نهج البلاغة

وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب امير المؤمنين عليه السلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب امير المؤمنين عليه السلام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 أبريل 2012

[ 70 ] وقال عليه السلام في سحرة (1) اليوم الذي ضرب فيه

مَلَكَتْنِي عَيْنِي (2) وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ (3) لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: فَقُلْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأُوَدِ وَاللَّدَدِ؟ فَقَالَ: «ادْعُ عَلَيْهِمْ»، فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِي اللهُ بِهمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي. قال الشريف: يعني بالأود: الاعوجاج، وباللدد: الخصام. وهذا من أفصح الكلام.

1. السُّحْرة ـ بالضم ـ : السّحَر الأعلى من آخر الليل.
2. مَلَكَتْني عَيْني: غلبني النوم.
3. سنح لي رسول الله: مرّ بي كما تسنح الظباء والطير.

[ 69 ] ومن كلام له عليه السلام في توبيخ بعض أصحابه


كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ (1) ، وَالثِّيَابُ الْمتَدَاعِيَةُ (2) ! كُلَّما حِيصَتْ (3) مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ (4) مِنْ آخَرَ، كُلَّما أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ (5) مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ (6) انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا (7) . الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ (8) . إِنَّكُمْ ـ وَاللهِ ـ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ (9) ، قَليِلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ (10) ، وَلكِنِّي واللهِ لَا أَرَى إِصْلاَحَكُمْ بَإِفْسَادِ نَفْسِي. أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ (11) , وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ (12) ! لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ،وَلاَ تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبطَالِكُمُ الْحَقَّ!

1. البِكار ـ ككتاب ـ جمع بكر: الفتيّ من الابل. العَمِدة ـ بفتح فكسر ـ : التي انفضح داخلُ سنَامِها من الركوب، وظاهُرهُ سليم.
2. الثياب المُتداعية: الخَلقَةُ المُتَخَرّقة. ومُدَاراتها: استعمالها بالرفق التام.
3. حيصَتْ: خِيطَتْ.
4. تَهَتّكَتْ: تَخَرّقَتْ.
5. المَنْسر ـ كمجلس ومنبر ـ : القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكثير. وأطلّ: أشرف.
6. إنْجَحَرَ: دخَلَ الجُحْرَ.
7. الوِجار ـ بالكسر ـ : جُحْرُ الضّبُع وغيرها.
8. الافْوَق من السهام: ما كُسر فُوقُهُ، أي موضع الوتر منه. والناصل: العاري من النصل. والسهم إذا كان مكسور الفُوقِ عارياً عن النصل لم يؤثّر في الرمية.
9. الباحات: الساحات.
10. أوَدَكم ـ بالتحريك ـ : اعوجاجكم.
11. أضْرَعَ الله خُدُودَكم: أذلّ الله وجوهكم.
12. وأتْعَسَ جُدُودَكم، أي: حط من حظوظكم. والتّعَسَ: الانحطاط والهلاك والعثار.

[ 68 ] ومن كلام له عليه السلام لمّا قلد محمّد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل


وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ (1) ، وَلاَ أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ، بَلاَ ذَمٍّ لَمُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْر، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لي رَبِيباً.

1. العَرْصَة: كل بقعة واسعة بين الدّور. والمراد ما جعل لهم مجالاً للمغالبة. وأراد بالعرصة عَرْصَةَ مصر، وكان محمد قد فرّ من عدوّه ظنّاً منه أنه ينجو بنفسه، فأدركوه وقتلوه.

[ 66 ] ومن كلام له عليه السلام في تعليم الحرب والمقاتلة والمشهورأنه قاله لأصحابه ليلة الهرير أو أول اللقاء بصفين


مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ (1) ، وَتَجَلْبَبُوا (2) السَّكِينَةَ، وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ (3) ، فَإِنَّهُ أَنْبَى (4) لِلْسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ (5) . وَأَكْمِلُوا اللَّأْمَةَ (6) ، وَقَلْقِلُوا (7) السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا (8) قَبْلَ سَلِّهَا. وَالْحَظُوا الْخَزْرَ (9) ، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ (10) ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا (11) ، وَصِلُوا السُّيُوفَ بَالْخُطَا (12) ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ. فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ (13) ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ (14) ، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً (15) ، وَعَلَيْكُمْ بِهذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّبِ (16) ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ (17) ، فإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ (18) ، قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلْنُّكُوصِ رِجْلاً; فَصَمْداً صَمْداً! (19) حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (20)

1. اسْتَشْعِرُوا الخَشْيَةَ: اجعلوها من شِعاركم. والشعار هو ما يلي البدنَ من الثياب.
2. تَجَلْببَ: لبِسَ الجِلْبَابَ، وهو ما تغطي به المرأة ثيابها من فوق.
3. النواجذ: جمع ناجذ، وهو أقصى الاضراس. ولكلّ إنسان أربعة نواجذ وهي بعد الارْحاءِ. ويسمى الناجذ ضرْسَ العقل. وإذا عضضت على ناجِذك تصلّبَتْ أعصابك وعضلاتك المتصلة بدماغك.
4. أنْبَى للسيوف: أبعد عنها.
5. الهام: جمع هامة، وهي الرأس.
6. اللاْمَة: الدّرع. وإكمالها أن يُزَاد عليها البَيْضَةُ ونحوها. وقد يراد من اللامة آلات الحرب والدفاع، وإكمالها على هذا استيفاؤها.
7. قَلْقِلُوا السيوف: حرّكوها في أغمادها.
8. الاغْماد: جمع غمد وهو بيت السيف.
9. الخزَر ـ محركةً، وسكّنها مراعاةً للسجعة الثانية ـ : النظر من أحد الشقّين، وهو علامة الغضب.
10. الشّزْر ـ بفتح الشين ـ : الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً.
11. نافحوا بالظّبا; نافحوا: كافحوا وضاربوا، والظّباـ بالضم ـ : جمع ظبة، وهي طرف السيف وحدّه.
12. صِلُوا السّيوفَ بالخُطَا: صِلوا من الوصل أي: اجعلوا سيوفكم متصلةً بخطا أعدائكم، جمع خطوة.
13. الفَرّ: الفرار.
14. (عَارٌ في الاعْقاب): هنا الاولاد، لانهم يُعْيّرُون بفرار آبائهم.
15. السُجُح ـ بضمتين ـ : السهل.
16. الرِّوَاق المُطَنّب; الرواق ـ ككتاب وغراب ـ : الفسطاط، والمُطَنّب: المشدود بالاطْنَاب جمع طُنُب ـ بضمتين ـ وهو حبل يشدّ به سُرَادِقُ البيت.
17. الثَبَجَ ـ بالتحريك ـ : الوسط.
18. كِسْرُه ـ بالكسر ـ : شِقّه الاسفل، كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون.
19. الصَّمْد: القصد، أي: فاثبتوا على قصدكم.
20. (لن يَتِرَكُم أعمالكم): لن ينقصكم شيئاً من جزائها.

[ 67 ] ومن كلام له عليه السلام قالوا: لمّا انتهت إلى أميرالمؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة (1) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال عليه السلام : ما قالت الانصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام:


فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَىمُحْسِنِهمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟ فقال عليه السلام: لَوْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثم قال: عليه السلام: فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟ قالوا: احتجت بأَنها شجرة الرسول صلى الله عليه وآله. فقال عليه السلام: احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ.

1. سقيفة بني ساعدة: اجتمع فيها بعض الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاختيار خليفة له.

[ 65 ] ومن خطبة له عليه السلام وفيها مباحث لطيفة من العلم الالهي


الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حالاً، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً. كُلُّ مُسَمّىً بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزِيز غَيْرَهُ ذَلِيلٌ، وَكُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ، وَكُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ، وَكُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ، وَكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ (1) عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ، ويُصِمُّهُ كَبِيرُهَا، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِيٍر غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الْأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الْأَجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِرٍغَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِنٌ، وَكُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ. لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلاَ تَخْوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ، وَلاَ اسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ (2) مُثَاوِرٍ (3) ، وَلاَ شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ (4) ، وَلاَ ضِدٍّ مُنَافِرٍ (5) ; وَلكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ (6) ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ (7) ، لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ فِيَها كَائِنٌ، وَلَمْ يَنْأَ (8) عَنْهَا فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ (9) . لَمْ يَؤُدْهُ (10) خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ، وَلاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ (11) ، وَلاَ وَقَفَ بِهِ عَجْرٌ عَمَّا خَلَقَ، وَلاَ وَلَجَتْ (12) عَلَيْهِ شُبْهُةٌ فِيَما قَضَى وَقَدَّرَ، بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ، وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ، وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ (13) . الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ، الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ!

1. يَصَمّ ـ بفتح الصاد ـ : مضارع «صَمّ» ـ من باب علم ـ إذا أصيب بالصمم وفقد السمع; وما عظم من الاصوات حتى فات المألوف الذي يستطيع احتماله يحدث فيها الصمم بصدعه لها.
2. النِّد ـ بكسر النون ـ : النظير والمثل، ولا يكون إلاّ مخالفاً، وجمعه أنداد مثل حِمْل وأحْمال.
3. المثاور: المُوَاثِب والمُحارِب.
4. الشريك المكاثرِ: المُفاخِرُ بالكثرة، هذا إذا قرىء بالثاء المثلثة، ويروى «المكابر» ـ بالباء الموحدة ـ أي: المفاخر بالكِبْر والعظمة.
5. الضّدّ المُنافِر: الذي يحاكي ضده في الرفعة والنسب فيغلبه.
6. مَرْبُوبُون: أي مملوكون.
7. داخِرون: أذِلاّء، من دخر.
8. «لم ينأ عنها» أي: لم ينفصل انفصالَ الجسم.
9. بائن: منفصل.
10. لم يَؤدْه: لم يُثْقِلْهُ، آدَهُ الامرُ; يَأوده: أثقله وأتعبه.
11. ذرأ: خلق.
12. وَلَجَتْ عليه: دَخَلَتْ.
13. مُبْرَم: محتوم، وأصله من «أبْرَمَ الحبلَ» جعله طاقَيْن، ثم فتله، وبهذا أحكمه.

[ 64 ] ومن خطبة له عليه السلام في المبادرة إلى صالح الاعمال

اتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ (1) ، وَابْتَاعُوا (2) مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا (3) فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ (4) ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ (5) ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً (6) ، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ (7) الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ (8) بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ (9) ، وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوالشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنيَا, مِنَ الدُّنْيَا, مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ (10) غَداً. فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبِّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّمَ تَوْبَتَهُ، غَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، والشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِه، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا (11) ، إَذَا هَجُمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا. فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ! نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمِّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نَعْمَةٌ (12) ، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَآبَةٌ.

1. (بَادِرُوا آجالَكُمْ بأعمالِكُم) أي: سابقوها وعاجلوها بها.
2. ابتاعوا: اشتروا ما يبقى من النعيم الابدي، بما يفنى من لذة الحياة الدنيا وشهواتها المنقضية.
3. الترحّل: الانتقال، والمراد هنا لازمه، وهو: إعداد الزاد الذي لابدّ منه للراحل.
4. جُدّ بكم: أي حُثِثْتم وأُزْعجتم إلى الرحيل.
5. أظَلّكم: قرب منكم من كأنّ له ظّلاً قد ألقاه عليكم.
6. سُدى: مهملين.
7. يحدوه: يسوق،والجديدان: الليل والنهار.
8. حَرِيّ: جدير.
9. الاوْبَة: الرجعة.
10. (ما تَحْرُزُون به انفسكم) أي: تحفظونها به.
11. يُسَوّفها: يؤجّلها ويؤخرها.
12. لا تُبْطِرُهُ النعمة: لا تطغيه، ولا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه.

[ 63 ] ومن خطبة له عليه السلام يحذر من فتنة الدنيا


أَلاَ وإنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا، وَلاَ يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا، ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ; فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ، بِيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً (1) حَتَّى قَلَصَ (2) ، وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ.

1. سابغاً: ممتداً ساتراً للارض.
2. قَلَصَ: انقبض.

[ 62 ] ومن كلام له عليه السلام لمّا خُوِّف من الغيلة (1)


وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةً (2) حَصِينةً، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي; فَحِينَئِذٍ لاَ يَطِيشُ السَّهْمُ (3) ، وَلاَ يَبْرَأُ الْكَلْمُ (4) .

1. الغَيْلة: القتل على غِرّة بغير شعور من المقتول كيف يأتيه القاتل.
2. الجُنّة ـ بالضم ـ : الوقاية والملجأ والحصن، وقد سبقت.
3. طاش السهم عن الهدف ـ من باب باع ـ أي: جاوره ولم يصبه.
4. الكَلْمُ ـ بالفتح ـ : الجرح.

[ 61 ] وقال عليه السلام

لاَ تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ. قال الشريف: يعني معاوية وأصحابه.

الجمعة، 30 مارس 2012

[ 60 ] وقال عليه السلام لمّا قتل الخوارج فقيل له: يا أميرالمؤمنين، هلك القوم بأجمعهم !


كَلاَّ وَالله، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ (1) ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ (2) ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ.

1. قَرَارات النساء: كناية عن الارحام.
2. كُلّما نَجَمَ منهم قَرْنٌ قُطِعَ: كلما ظهر أوطلع منهم رئيس قُتل.

[ 59 ] وقال عليه السلام لمّا عزم على حرب الخوارج وقيل له: إن القوم قد عبروا جسر النهروان !

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ. قال الشريف: يعني بالنطفة ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جماً، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضيّ ما أشبهه.

[ 58 ] ومن كلامه عليه السلام كلّم به الخوارج حين اعتزلوا الحكومة وتنادوا: أن لا حكم إلاّ لله

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ (1) ، وَلاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ (2) , أَبَعْدَ إِيمَاني بِاللهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! لَقَدْ (ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ (3) ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ (4) ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً (5) يَتَّخِذُهَا الظَّالِمونَ فِيكُمْ سُنَّةً. قال الشريف: قوله عليه السلام: «ولا بقي منك آبر» يُروى على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون كما ذكرناه: «آبِرٌ» بالراء، من قولهم للذي يأبر النخل- أي: يصلحه- ويروى: «آثِرٌ»، و هو الذي يأثر الحديث ويرويه، أي يحكيه، وهو أصح الوجوه عندي، كأنه عليه السلام قال: لا بقي منكم مُخبر! ويروى: «آبِز» ـ بالزاي معجمة ـ وهو: الواثب، والهالك أيضاً يقال له: آبزٌ.

1. الحاصِبُ: ريح شديدة تحمل التراب والحصى، والجملة دعاء عليهم بالهلاك.
2. الآثِر: الذي يأثر الحديث ,أي يرويه و يحكيه.والمراد:لابقي منكم مخبر يروي أثراً.و هذا اللفظ «آثر» أقرب إلي السياق هنا من «آبر»و«آبز». وقد اختاره الشريف الرضي و وجده أصح الوجوه.
3. فأوبُوا شرّ مآب: انقلبوا شرّ منقلب بضلالتكم في زعمكم.
4. الاعقاب: جمع عقِب ـ بكسرالقاف ـ وهو مؤخر القدم.
5. الاثَرة: الاستبداد بفوائد الملك.

[ 57 ] ومن كلام له عليه السلام في صفة رجل مذموم، ثم في فضله هو عليه السلام


أَمَّا إنِّهُ سِيَظْهَرُ (1) عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ (2) ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ (3) ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ،وَلَكُمْ نَجَاةٌ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّأُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.

1. سيَظْهَرُ عليكُم: سيغلب.
2. رَحْبُ البُلْعُوم: واسعُهُ.
3. مُنْدَحِقُ البَطْن: عظيم البطن بارزه، كأنه لِعِظَمِهِ مُنْدلقٌ من بدنه يكاد يَبينُ عنه، وأصل «اندحق» بمعنى انزلق

[ 56 ] ومن كلام له عليه السلام يصف أصحاب رسول الله وذلك يوم صفين حين أمر الناس بالصلح


وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ (1) ، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الْأَلَمِ (2) ، وَجِدّاً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ (3) الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا (4) : أيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، ومَرَّةً لِعَدُوِّنا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ (5) ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ (6) وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ. وَأَيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً (7) ، وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً!

1. اللّقَم ـ بالتحريك وبوزن صُرَد أيضاً ـ : معظم الطريق أوجادّته.
2. مَضَض الالم: لذعته وبُرَحاؤه.
3. التّصاول: أن يحمل كل واحد من النّدّين على صاحبه.
4. يتخالَسان أنْفُسَهُما: كل منهما يطلب اختلاس روح الاخر.
5. الكَبْت: الاذلال.
6. جِران البعير ـ بالكسر ـ : مقدّمُ عنقه من مذبحه إلى مَنْحَره; وإلقاء الجِران كناية عن التمكّن.
7. الاحتلاب: استخراج ما في الضرع من اللبن.

[ 55 ] ومن كلام له عليه السلام وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين


أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: شَكّاً في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ (1) إِلى ضَوْئِي، وَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ (2) بِآثَامِهَا.

1. تَعْشُو إلى ضوئي: تستدل عليه ببصر ضعيف.
2. تَبُوء بآثامها: ترجع.

[ 54 ] ومن كلام له عليه السلام وفيه يصف أصحابه بصفين حين طال منعهم له من قتال أهل الشام


فَتَدَاكُّوا (1) عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ (2) يَوْمَ وِرْدِهَا (3) ، قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا (4) ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ، وَقَدْ قَلَّبْتُ هذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعْني إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ.

1. تَدَاكّوا: تزاحموا عليه ليبايعوه رغبةً فيه.
2. الهيِم: العِطاش من الابل.
3. يوم وِرْدِها: يوم شربها الماء.
4. المثَاني ـ جمع المثناة بفتح الميم وكسرها ـ : حبل من صوف أوشعر يُعْقَلُ به البعير.

[ 53 ] ومن كلام له عليه السلام في ذكر يوم النحر وصفة الاضحية


وَمِنْ تَمَامِ الْأُضْحِيَةِ (1) اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا (2) ، وَسَلاَمَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الْأُضْحِيِةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ (3) تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى المَنْسَكِ (4) . قال السيد الشريف: والمنسك ها هنا المذبح.

1. الاضحية: الشاة التي طلب الشارع ذبحها بعد شروق الشمس من عيد الاضحى.
2. اسْتِشراف أُذُنِها: نَفَقّدُها حتى لاتكون مجدوعة أومشقوقة.
3. عَضْباء القَرْن: مكسورته.
4. تَجُرّ رجلها إلى المنْسَك: أي عرجاء; والمنسك: المذبح.

[ 52 ] ومن خطبة له عليه السلام وهي في التزهيد في الدنيا، وثواب الله للزهد، ونعم الله علي الخالق

التزهيد في الدنيا

أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها (1) ، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ (2) ، فَهِيَ تَحْفِزُ (3) بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو (4) بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرَّ (5) فِيْهَا مَا كَانَ حُلْواً (6) ، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ (7) ، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ (8) ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ (9) لَمْ يَنْقَعْ
(10) ، فَأَزْمِعُوا (11) عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ (12) عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ، وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الْأَمَلُ، وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ.
ثواب الزهاد
فَوَاللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ (13) ، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ (14) ، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ (15) مُتَبَتِّلِي (16) الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلاَدِ، الِْتمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ، أوغُفْرَانِ سِيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فَيَما أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ.
نعم الله
وَتَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاثاً (17) ، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ وَرَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ ـ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ.

1. تَنَكّرَ مَعْرُوفُها: خفي وجهها.
2. حَذَّاء: ماضية، سريعة، وقد سبق تفسيرها, وفي رواية «جذاء» أي مقطوعة الدّرِّ والخير.
3. تَحْفِزُهم: تَدفعهم وتسوقهم.
4. تَحْدُوـ بالواوبعد الدال ـ : تسوقهم بالموت إلى الهلاك.
5. أمَرّ الشيء: صار مُرّاً.
6. كدِر كدَراً ـ كفرح فَرَحاً وكدُر ـ بالضم كظرُف ـ كُدُورةً: تعكّرَ وتغير لونه واختلط بما لا يستساغ هو معه.
7. السَمَلَة ـ محركة ـ : بقية الماء في الحوض، والاداوة: المَطْهَرَةُ، وهي إناء الماء الذي يُتَطَهّرُ به.
8. المَقْلَة ـ بالفتح ـ : حَصاة يضعها المسافرون في إناء، ثم يصبون الماء فيه ليغمرها، فيتناول كل منهم مقدار ما غمره، يفعلون ذلك إذا قل الماء، وأرادوا قسمته بالسوية.
9. التمزّزُ: الامتصاص قليلاً قليلاً، والصّدْيَانُ: العطشانُ.
10. لم يَنْقَعْ: لم يُرْوَ.
11. أزْمِعُوا الرحيلَ: أي اعزموا عليه، يقال: أزمع الامرَ، ولا يقال أزمع عليه.
12. المقدور: المكتوب.
13. الوُلّه العِجَال; الوُلّه: جمع وَالهة وهي كلّ أُنثى فَقَدتْ ولدها، وأصل الوَلَهِ: ذهابُ العقل، والعِجال من النّوق ـ جمع عَجُول ـ : وهي التي فقدت ولدها.
14. هَدِيلُ الحمام: صوته في بكائه لفقد إلفه.
15. جَأرْتُمْ: رفعتم أصواتكم; والجُؤار: الصوت المرتفع.
16. المتبَتّل: المنقطع للعبادة.
17. انماثت انمياثاً: ذَابَتْ ذَوَباناً.

[ 51 ] ومن كلامه عليه السلام لما غلب أصحاب معاوية أصحابه عليه السلام علي شريعة (1) الفرات بصفين و منعوهم الماء


قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ (2) ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ. أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً (3) مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ (4) ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ (5) الْمَنِيَّةِ.

1. الشريعة: مورد الشاربة من النهر.
2. اسْتَطْعَمُوكُمُ القِتَال: طلبوا منكم أن تطعموهم القتال، كما يقال «فلان يستطعمني الحديث» أي: يستدعيه مني.
3. اللُّمَةُ ـ بالتخفيف ـ : الجماعة القليلة.
4. عَمّسَ عَلَيْهِم الخَبَرَ: أبهمه عليهم وجعله مظلماً.
5. الاغراض: جمع غرض، وهو الهدف.