نهج البلاغة

وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام

الأربعاء، 14 مارس 2012

[ 12 ] ومن وصية له عليه السلام وصي بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدّمةً له:

اتَّقِ اللهَ الَّذِي لاَبُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ، وَلاَ مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ، وَلاَ تُقَاتِلَنَّ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ (1) ، غَوِّرْ (2) بِالنَّاسِ، وَرَفِّهْ (3) فِي السَّيْرِ، وَلاَ تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لاَ ظَعْناً (4) ، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ، وَرَوِّحْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ (5) ، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلاَ تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُريِدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ، وَلاَ تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعَدْ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ (6) عَلَى قِتَالِهِمْ، قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالْإِعْذَارِ (7) إِلَيْهِمْ.

1. البَرْدان: وقت ابتراد الأرض والهواء من حر النهار، الغَداة والعَشيّ.
2. غَوِّرْ: أي انزلْ بهم في الغائرة وهي القائلة: وقت اشتداد الحر.
3. رفّه: هوّن ولا تتعب نفسك ولا دابتك.
4. الظعن: السفر.
5. ينبطح السّحَر: ينبسط، مجاز عن استحكام الوقت بعد مضي مدة منه وبقاء مدة.
6. الشَنآن: البغضاء.
7. ا لإعذار إليهم: تقديم ما يُعْذَرون به في قتالهم.

[ 11 ] ومن وصية له عليه السلام وصّى بها جيشاً بعثه إلى العدو

فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُوًّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ (1) الْأَشْرَافِ (2) ، أَوْسِفَاحِ (3) الْجِبَالِ، أَوْ أثْنَاءِ (4) الْأَنْهَارِ، كَيْما يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً (5) ، وَدُونَكُمْ مَرَدّاً (6) ، وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَو اثْنَيْنِ اجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ، (7) وَمَنَاكِبِ (8) الْهِضَابِ (9) ، لِئَلاَّ يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَة أَوْ أَمْن. وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَومِ عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ الْمُقَدِّمَةِ طَلاَئِعُهُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً، وَإِذَا اَرْتحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً، وَإِذَا غَشِيكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً (10) ، وَلاَ تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلاَّ غِرَاراً (11) أَوْ مَضْمَضَةً (12) .

1. قُبُل: قُدّام.
2. الأشراف ـ جمع شَرَف محركة ـ : العلو والعالي.
3. سِفاح الجبال: أسافلها.
4. الأثناء: منعطفات الأنهار.
5. الرِدْء ـ بكسر فسكون ـ : العون.
6. المَرَدّ ـ بتشديد الدال ـ : مكان الرد والدفع.
7. صَيَاصي: أعالي.
8. المَنَاكب: المرتفعات.
9. الهِضاب ـ جمع هَضْبة بفتح فسكون ـ : الجبل لايرتفع عن الارض كثيراً مع انبساط في أعلاه.
10. الرّماح كِفّة: أي بمثل كِفّة الميزان مستديرة حولكم محيطة بكم.
11. الغِرار ـ بكسر الغين ـ : النوم الخفيف.
12. المضمضة: أن ينام ثم يستيقط ثم ينام، تشبيهاً بمضمضة الماء في الفم يأخذه ثم يمجه، وهو أدق التشبيه وأجمله.

[ 40 ] ومن كلام له عليه السلام في الخوارج لما سمع قولهم: «لا حكم إلاّ لله» قال عليه السلام:

كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ:لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الْأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر. وفي رواية أُخرى أنّه عليه السلام لمّا سمع تحكيمهم قال: حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ. وقال: أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التَّقِيُّ، وَأَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إلى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ.

[ 39 ] ومن خطبة له عليه السلام خطبها عند علمه بغزوة النعمان بن بشير صاحب معاوية لعين التمر وفيها يبدي عذره، ويستنهض الناس لنصرته

مُنِيتُ بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْت (1) وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لاَ أَبَا لَكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلاَ حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ (2) ! أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً (3) ، وَأُنادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً (4) ، فَلاَ تَسْمَعُونَ لي قَوْلاً، وَلاَ تُطِيعُون لِي أَمْراً، حَتَّى تَكَشَّفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَساءَةِ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلاَ يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ (5) جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ (6) ، وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ الْنِّضْوِ الْأَدْبَرِ (7) ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ). قال السيد الشريف: قوله عليه السلام: «مُتَذَائِبٌ» أي مضطرب، من قولهم: تذاءبت الريح أي اضطرب هبوبها، ومنه سمّي الذئب ذئباً، لاضطراب مشيته.

1. مُنِيتُ: بُلِيتُ.
2. تُحْمِشُكُم: تُغْضِبُكم على أعدائكم.
3. المُسْتَصرِخ: المستنصر (المستجلب من ينصره بصوته).
4. مُتَغَوّثاً: أي قائلا «وَاغَوْثاه».
5. جَرْجَرْتُمْ; الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته عند عَسْفِهِ.
6. الاسَرّ: المصاب بداء السّرَر، وهو مرض في كَرْكَرَة البعير، أي زَوْرِهِ، ينشأ من الدّبَرَةِ والقرحة.
7. النّضْوِ: المهزول من الابل، والادْبَرَ: المدبور، أي: المجروح المصاب بالدّبَرة ـ بالتحريك ـ وهي العَقْرِ والجرح من القَتَبِ ونحوه.