نهج البلاغة

وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام

الجمعة، 30 مارس 2012

[ 60 ] وقال عليه السلام لمّا قتل الخوارج فقيل له: يا أميرالمؤمنين، هلك القوم بأجمعهم !


كَلاَّ وَالله، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ (1) ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ (2) ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ.

1. قَرَارات النساء: كناية عن الارحام.
2. كُلّما نَجَمَ منهم قَرْنٌ قُطِعَ: كلما ظهر أوطلع منهم رئيس قُتل.

[ 59 ] وقال عليه السلام لمّا عزم على حرب الخوارج وقيل له: إن القوم قد عبروا جسر النهروان !

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ. قال الشريف: يعني بالنطفة ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جماً، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضيّ ما أشبهه.

[ 58 ] ومن كلامه عليه السلام كلّم به الخوارج حين اعتزلوا الحكومة وتنادوا: أن لا حكم إلاّ لله

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ (1) ، وَلاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ (2) , أَبَعْدَ إِيمَاني بِاللهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! لَقَدْ (ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ (3) ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ (4) ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً (5) يَتَّخِذُهَا الظَّالِمونَ فِيكُمْ سُنَّةً. قال الشريف: قوله عليه السلام: «ولا بقي منك آبر» يُروى على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون كما ذكرناه: «آبِرٌ» بالراء، من قولهم للذي يأبر النخل- أي: يصلحه- ويروى: «آثِرٌ»، و هو الذي يأثر الحديث ويرويه، أي يحكيه، وهو أصح الوجوه عندي، كأنه عليه السلام قال: لا بقي منكم مُخبر! ويروى: «آبِز» ـ بالزاي معجمة ـ وهو: الواثب، والهالك أيضاً يقال له: آبزٌ.

1. الحاصِبُ: ريح شديدة تحمل التراب والحصى، والجملة دعاء عليهم بالهلاك.
2. الآثِر: الذي يأثر الحديث ,أي يرويه و يحكيه.والمراد:لابقي منكم مخبر يروي أثراً.و هذا اللفظ «آثر» أقرب إلي السياق هنا من «آبر»و«آبز». وقد اختاره الشريف الرضي و وجده أصح الوجوه.
3. فأوبُوا شرّ مآب: انقلبوا شرّ منقلب بضلالتكم في زعمكم.
4. الاعقاب: جمع عقِب ـ بكسرالقاف ـ وهو مؤخر القدم.
5. الاثَرة: الاستبداد بفوائد الملك.

[ 57 ] ومن كلام له عليه السلام في صفة رجل مذموم، ثم في فضله هو عليه السلام


أَمَّا إنِّهُ سِيَظْهَرُ (1) عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ (2) ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ (3) ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ،وَلَكُمْ نَجَاةٌ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّأُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.

1. سيَظْهَرُ عليكُم: سيغلب.
2. رَحْبُ البُلْعُوم: واسعُهُ.
3. مُنْدَحِقُ البَطْن: عظيم البطن بارزه، كأنه لِعِظَمِهِ مُنْدلقٌ من بدنه يكاد يَبينُ عنه، وأصل «اندحق» بمعنى انزلق