نهج البلاغة
وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام
أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ المَاءِ، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّماءِ، خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ (1) ، فَأَنْتُمْ غَرَضٌ (2) لِنَابِلٍ (3) ، وَأُكْلَةٌ لِآكِلٍ، وَفَرِيسَةٌ لِصائِلِ (4) .
1. سَفِهَت حلومُكُم: سَفِهَتْ: صارتْ سَفِيهة، بها خِفّة وطيش، وحُلُومُكم: جمع حِلْم وهو العقل، فهي كالعبارة قبلها: خَفّت عقولكم.
2. الغَرَض: ما يُنْصَبُ ليرمى بالسهام.
3. النّابِلُ: الضارب بالنّبْلِ.
4. أي لصائدٍ يصول في طلب فريسته.
كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ البَهِيمَةِ (1) ، رَغَا (2) فَأَجَبْتُم، وَعُقِرَ(3) فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ (4) ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ، وَدِيْنُكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ (5) , المُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ (6) بِذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ (7) ، قَدْ بَعَثَ اللهُ عَلَيْها العَذَابَ مِنْ فَوْقِها وَمِنْ تَحتِها، وَغَرِقَ مَنْ فِي ضِمْنِها. وفي رواية: وَأَيْمُ اللهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ (8) . وفي رواية: كَجُؤْجُؤِ طَيْرٍ في لُجَّةِ بَحْرٍ (9) . وفي رواية أخرى: بِلادِكُمْ أَنْتَنُ(10) بِلَادِ اللهِ تُرْبَةً: أَقْرَبُهَا مِنَ الْمَاءِ وَ أَبْعَدُهَا مِنَ السَّمَاءِ وَبِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَرِّ الْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ وَالْخَارِجُ بِعَفْوِ اللهِ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَي قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا الْمَاءَ, حَتَّي مَا يُرَي مِنْهَا إِلَّا شُرَفُ الْمَسْجِدِ (11) كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ!
1. أتْباع البهيمة: يريد بالبهيمة الجمل، وقصته مشهورة.
2. رَغَا الجملُ: أطلق رُغاءه، وهو صوته المعروف.
3. عُقِر الجملُ: جرح أو ضربت قوائمه، أوذبح.
4. أخْلاقكم دِقاقٌ: دنيئة.
5. زُعاق: مالح.
6. مُرْتَهَنٌ: من الارتهان والرهن، والمراد: مؤاخذ.
7. جُؤْجُؤُ السفينةِ:صدرُها، وأصل الجُؤجُؤ: عَظْمُ الصدرِ.
8.جاثمةٌ : واقعة علي صدرها .
9.لُجَّةُ البحر ـ وجمعها لُجَجٌ ـ : مَوْجُهُ.
10. أنْتَنُ: أقْذَرُ و أوسخ.
11. شُرَفُ المسجد: جمع شُرْفة و هي أعلي مكان فيه .
فَقَاَلَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أَهَوَى (1) أَخِيكَ مَعَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَدْ شَهِدَنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا! فِي عَسْكَرِنَا هذَا أَقْوَامٌ في أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، سَيَرْعَفُ بِهِمُ الزَّمَانُ، (2) ويَقْوَى بِهِمُ الْإِيمَانُ.
1. هوى أخيك: أي ميلُهُ ومحبته.
2. يَرْعُفُ بهم الزمان: يجود على غير انتظار كما يجود الانفُ بالرّعاف.
تَزُولُ الْجِبَالُ وَلاَ تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ (1) . أََعِرِ (2) اللهَ جُمجُمَتَكَ، تِدْ (3) في الْأًَرْضِ قَدَمَكَ، إِرْمِ بِِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ (4) ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ.
1. النّاجِذُ: أقصى الضّرْس، وجمعه نواجذ، وإذا عَضّ الرجل على أسنانه اشتدّت حَمِيّتُهُ.
2. أعِرْ: أمر من أعار، أي ابذل جمجمتك لله تعالى كما يبذل المعير ماله للمستعير.
3. تِدْ قَدَمَكَ: ثَبّتْها، من وَتَدَ يَتِدُ.
4. غضّ النظر: كفّهُ، والمراد هنا: لا يَهُولَنّكَ منهم هائلٌ.