نهج البلاغة
وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ
فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ
أَمَانَتَكَ
(1)
. بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ
(2)
الْأَرْضَ فأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ
يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ
أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلاَمُ.
1. أخْزَيْت أمانتك: ألصقت بأمانتك خَزْية ـ بالفتح ـ أي رزية أفسدتها وأهانتها.
2. جرّدت الأرض: قشّرتها، والمعنى أنه نسبه إلى الخيانة في المال، وإلى إخراب الضياع.
فَإِنَّكَ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبْعاً لِدُنْيَا امْرِىءٍ ظَاهِرٍ غَيُّهُ،
مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفِّهُ
الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ،
اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ
(1)
، يَلُوذُ إلَى مَخَالِبِهِ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ
فَضْلِ فَرِيسَتِهِ، فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ! وَلَوْ
بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ، فَإِنْ يُمَكِّنِّي اللهُ
مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُما،
وَإِنْ تُعْجِزَا
(2)
وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌ لَكُمَا، وَالسَّلاَمُ.
1. الضِرْغام: الأسد.
2. إن تُعْجزا: توقعاني في العجز، من أعجز يعجز إعجازاً، والمراد: أن تعجزاني عن الإيقاع بكما فأمامكما حساب الله.
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيٍّ أَمِيرِالْمُؤْمِنينَ، إِلَى الْقَومِ الَّذِينَ
غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ،
فَضَرَبَ الْجَوْرُ
(1)
سُرَادِقَهُ
(2)
عَلَى الْبَرِّ
(3)
وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ
(4)
، فَلاَ مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ
(5)
، وَلاَ مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ
إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِاللهِ عَزَّوَجَلَّ، لاَيَنَامُ أَيَّامَ
الخَوْفِ، وَلاَ يَنْكُلُ
(6)
عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ
(7)
، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرَيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ
(8)
، فَاسْمَعُوا لَهُ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيَما طَابَقَ الْحَقَّ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، لاَ كَلِيلُ
(9)
الظُّبَةِ
(10)
، وَلاَ نَابِي
(11)
الضَّرِيبَةِ
(12)
: فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فانْفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ
تُقيِمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَلاَ يُحْجِمُ، وَلاَ
يُؤَخِّرُ وَلاَ يُقَدِّمُ إِلاَّ عَنْ أَمْرِي، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ
(13)
عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِ هِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ
(14)
عَلَى عَدُوِّكُمْ.
1. الجَوْر: الظلم والبغي.
2. السُرادِق ـ بضم السين ـ : الغطاء الذي يمد فوق صحن البيت.
3. البَرّ ـ بفتح الباء ـ : التقي.
4. الظاعن: المسافر.
5. يستراح إليه: يعمل به، وأصله استراح إليه، بمعنى: سكن واطمأن، والسكون إلى المعروف يستلزم العمل به.
6. نَكَلَ عنه ـ كضرب ونصر وعلم ـ : نكص وجبن.
7. الرّوْع: الخوف.
8. مَذْحِج ـ كمجلس ـ : قبيلة مالك، وأصله اسم أكمة ولد عندها أبو القبيلتين طيّىء ومالك، فسميت قبيلتاهما به.
9. الكليل: الذي لايقطع.
10. الظُّبَة ـ بضم ففتح مخفف ـ : حد السيف والسنان ونحوها.
11. النابي من السيوف: الذي لايقطع.
12. الضريبة: المضروب بالسيف، وإنما دخلت التاء في ضريبة ـ وهي بمعنى المفعول ـ لذهابها مذهب الأسماء كالنطيحة والذبيحة.
13. آثرتكم: خصصتكم به وأنا في حاجة اليه، تقديماً لنفعكم على نفعي.
14. الشكيمة في اللجام: الحديدة المعرضة في فم الفرس، ويعبر بشدتها عن قوة النفس وشدة البأس.
فَسُبْحَانَ اللهِ! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ
(1)
، مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ، الَّتِي هِيَ لِلَّهِ طِلْبَةٌ
(2)
، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ. فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ
(3)
فِي عُثْمانَ وَقَتَلَتِهِ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمانَ حَيْثُ
كَانَ النَّصْرُ لَكَ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ،
وَالسَّلاَمُ.
1. الحَيْرَة المُتّبعة: اسم مفعول من اتّبعه، والحَيْرة هنا بمعنى الهوى الذي يتردد الإنسان في قبوله.
2. طِلْبَة ـ بالكسر وبفتح فكسر ـ : مطلوبة.
3. الحِجاج ـ بالكسر ـ : الجدال.