نهج البلاغة

وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام

الخميس، 8 مارس 2012

[ 10 ] ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً

وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ (1) مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا (2) ، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا، دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا، وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجيِكَ مِنْهُ مِجَنٌّ (3) ، فَاقْعَسْ (4) عَنْ هذَا الْأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ (5) الْحِسَابِ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلاَ تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ (6) مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنكَ مُتْرَفٌ (7) قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ. وَمَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ (8) ، وَوُلاَةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ؟ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ، وَلاَ شَرَفٍ بَاسِقٍ (9) ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ لُزومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ، وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمادِياً فِي غِرَّةِ (10) الْأُمْنِيَّةِ (11) ، مُخْتَلِفَ الْعَلاَنِيَةِ والسَّرِيرَةِ. وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْحَر
ْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَينِ مِنَ الْقِتَالِ، لِتَعْلَمَ أيُّنَا الْمَرِينُ (12) عَلَى قَلْبِهِ، وَالْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ! فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وأَخِيكَ شَدْخاً (13) يَوْمَ بَدْرٍ،ذلكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلاَ اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً، وَإنِّي لَعَلَى الْمِنْهَاجِ (14) الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ. وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائراً (15) بِدَمِ عُثْمانَ، وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنتَ طَالباً، فَكَأَنِّي قدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ الْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ، إِلَى كِتَابِ اللهِ، وَهِيَ كَافِرةٌ جَاحِدَهٌ، أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ (16) .

1. الجلابيب ـ جمع جِلْباب ـ : وهو الثوب فوق جميع الثياب كالمِلْحَفة.
2. تَبَهّجَت: تحسنت.
3. المِجَنّ: التُرْس، أي يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لاتتقي منها بترس، ورويت: "مُنْجٍ " بدل مجنّ.
4. قَعَسَ: تأخر.
5. الاُهبة ـ بضم الهمزة ـ : العُدّة.
6. الغُواة ـ جمع غاو ـ : قرين السوء الذي يزيّن لك الباطل ويغريك بالفساد.
7. المُتْرَف: من أطْغَتْه النعمة.
8. سَاسة: جمع سائس.
9. الباسِق: العالي الرفيع.
10. الغِرّة ـ بالكسر ـ : الغُرور.
11. الاُمْنِيَة ـ بضم الهمزة ـ : ما يتمناه الإنسان ويؤمل إدراكه.
12. المَرِين ـ بفتح فكسر ـ : اسم مفعول من رانَ ذنبهُ على قلبه: غلب عليه فغطى بصيرته.
13. شدخاً: أي كسراً في الرطب.
14. المِنْهاج: هو ـ هنا ـ طريق الدين الحق.
15. ثأر به: طلب بدمه.
16. حائدة: من حاد عن الشيء إذا مال عنه وعدل عنه إلى سواه.

[ 9 ] ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية

فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا، وَاجْتِيَاحَ أَصْلِنَا (1) ، وَهَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ (2) ، وَفَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ (3) ، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ (4) ، وَأَحْلَسُونَا (5) الْخَوْفَ، وَاضْطَرُّونَا (6) إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ (7) ، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ، فَعَزَمَ اللهُ لَنَا (8) عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ (9) ، وَالرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ (10) . مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الْأَجْرَ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيشٍ خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ، أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- إذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ (11) ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ (12) وَالْأَسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرُ يَوْمَ مُؤْتَةَ (13) ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ،مَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ. فَيَاعَجَباً لِلدَّهْرِ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي (14) ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي (15) الَّتِي لاَ يُدْلِي أحَدٌ (16) بِمِثْلِهَا، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لاَ أَعْرِفُهُ، وَلاَ أَظُنُّ اللهَ يَعْرِفُهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمانَ إِلَيْكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هذَا الْأَمْرِ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلاَ إِلَى غَيْرِكَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ (17) عَنْ غَيِّكَ وَشِقَاقِكَ (18) لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ، لاَ يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَلاَ بَحْرٍ، وَلاَ جَبَلٍ وَلاَ سَهْلٍ، إِلاَّ أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وِجْدَانُهُ، وَزَوْرٌ (19) لاَ يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ، وَالسَّلاَمُ لِأَهْلِهِ.

1. الاجتياح: الاستئصال والإهلاك.
2. هموا بنا الهموم: قصدوا إنزالها بنا.
3. الأفاعيل ـ جمع أُفْعولة ـ : الفَعْلة الرديئة.
4. العذب: هنيء العيش.
5. أحلسونا: ألزمونا.
6. اضطرونا: ألجأونا.
7. الجبل الوَعْر: الصعب الذي لا يرقى إليه.
8. عزم الله لنا: أراد لنا أن نذبّ عن حوزته.
9. المراد من الحَوْزة هنا: الشريعة الحقة.
10. رمى من وراء الحُرْمة: جعل نفسه وقاية لها يدافع السوء عنها، فهو من ورائها أو هي من ورائه.
11. احمرار البأس: اشتداد القتال.
12. حَر الأسنة ـ بفتح الحاء ـ : شدة وقعها.
13. مؤتة ـ بضم الميم ـ : بلد في حدود الشام.
14. بقدم مثل قدمى جَرَتْ وثَبَتَتْ في الدفاع عن الدين.
15. السابقة: فضله السابق في الجهاد.
16. أدلى إليه برَحِمِهِ: توسَّلَ، و بمال دفعه اليه ; و كلا المعنيين صحيح.
17. تنْزِع ـ كتضرب ـ أي: تنتهي.
18. الشقاق: الخلاف.
19. الزَوْر ـ بفتح فسكون ـ : الزائرون.

[ 8 ] ومن كتاب له عليه السلام إلى جرير بن عبدالله البجلي لما أرسله إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ (1) ، وَخُذْهُ بَالْأَمْرِ الْجَزْمِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ (2) ، أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ (3) ، فَإِنِ اخْتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ (4) ، وَإِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ، وَالسَّلاَمُ.

1. الفصل: الحكم القطعي.
2. حرب مُجْلِية: أي مخرجة له من وطنه.
3. السلم المخزية: الصلح الدال على العجز.
4. فانْبِذْ إليه: أي اطرح إليه عهد الأمان وأعلنه بالحرب، والفعل من باب ضرب.

[ 7 ] ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضاً

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَتْني مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ (1) ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ (2) ، نَمَّقْتَهَا (3) بِضَلاَلِكَ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ، وَكِتَابُ امْرِىءٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ، وَلاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ، وَقَادَهُ الضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ (4) لاَغِطاً (5) ، وَضَلَّ خَابِطاً. و منه : لِأَنَّهَا بَيْعَهٌ وَاحِدَةٌ لاَ يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ (6) ، وَلاَ يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ. الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ، وَالْمُرَوِّي (7) فِيهَا مُدَاهِنٌ (8) .

1. مُوَصّلة ـ بصيغة المفعول ـ : ملفّقة من كلام مختلف وصل بعضه ببعض على التباين، كالثوب المرقع.
2. مُحَبّرَة: أي مزيّنه.
3. نَمّقتها: حسنت كتابتها, و أمضيْتها: أنفذتها وبعثتها.
4. هَجَرَ: هَذَى في كلامه ولغا.
5. اللغط: الجَلَبة بلا معنى.
6. لا يُثني: لا ينظر فيها ثانياً بعد النظر الأول.
7. المُرَوِّي: هو المتفكر هل يقبل الشيء أوينبذه.
8. المُداهن: المنافق.